محمد سعيد رمضان البوطي
75
فقه السيرة ( البوطي )
وإذا : فقد كان صلى اللّه عليه وسلم يتحمل المسؤولية تجاه نفسه ، بوصف كونه مكلفا ، وكان يتحمل المسؤولية تجاه أسرته وأهله ، بوصف كونه رب أسرة وذا آصرة قربى ، ثم كان يتحمل المسؤولية تجاه الناس كلهم ، بوصف كونه نبيا ورسولا مرسلا من اللّه عز وجل . ويشترك مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في الأولى : كل مكلف ، وفي الثانية : كل صاحب أسرة ، وفي الثالثة : العلماء والحكام . ثالثة : عاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قومه أن يأسروا أنفسهم للتقاليد الموروثة عن آبائهم وأجدادهم دون تفكر منهم في مدى صلاحها أو فسادها ، ودعاهم إلى تحرير عقولهم من أسر الاتباع الأعمى وعصبية التقاليد التي لا تقوم على شيء من أساس الفكر والمنطق . وفي هذا دليل على أن مبنى هذا الدين - بما فيه من عقائد وأحكام - إنما هو على العقل والمنطق ، وأن المتوخى في التمسك به إنما هو مصلحة العباد العاجلة والآجلة ، ولذلك كان من أهم شروط صحة الإيمان باللّه وما يتبعه من أمور اعتقادية أخرى ، أن يقوم على أساس من اليقين والفكر الحر ، دون أدنى تأثر بأي عرف أو تقليد ، حتى قال صاحب جوهرة التوحيد في أرجوزته المعروفة : فكل من قلد في التوحيد * إيمانه لم يخل من ترديد ومن هنا تعلم أن الدين جاء حربا على التقاليد ، والدخول في أسرها ، إذ هو قائم في كل مبادئه وأحكامه على أساس العقل والمنطق السليمين ، على حين أن التقاليد قائمة على مجرد باعث الاقتداء والاتباع ، أي دون أن يكون فيه لعنصر البحث والتفكير الحر أي تأثير ، إذ أن كلمة « التقاليد » إنما تعني في وضع اللغة العربية وما تواضع عليه عرف العلماء الاجتماع ، « مجموع العادات التي يرثها الآباء عن الأجداد ، أو التي تسري ، بمجرد عامل الاحتكاك في بيئة من البيئات أو بلدة من البلدان بشرط أن يكون عامل التقليد المجرد هو العصب الرئيسي الذي يمد في تلك العادات من أجل الحياة والبقاء » . فجميع ما اعتاده الناس من أنماط الحياة في مجتمعاتهم ، ومن مظاهر اللهو في أفراحهم ، ومن أشكال الحداد في مآسيهم وأحزانهم ، مما حاكته عوامل التوارث القديم أو الاقتباس التلقائي عن طريق التأثر والاحتكاك جميع ذلك يسمى في اصطلاح اللغة وعلم الاجتماع « تقاليد » . إذا علمت هذا ، أدركت أن الإسلام لا يمكن أن ينطوي على شيء مما يسمى بالتقاليد ، سواء ما كان منه متعلقا بالعقيدة أو مختلف النظم والأحكام ، إذ العقيدة قائمة